التداعيات المستقبلية لإحتلال العراق

 
الدكتور محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
   

 

                                                                  التداعيات المستقبلية لإحتلال العراق
الدكتور محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

...على أعداء الولايات المتحدة أن يدركوا أننا نصبح حمقى اذا ما ضربت مصالحنا. وعندها لايستطيع أحد التنبوء بما قد نفعله بما لدينا من قوة تدميرية هائلة. وعندها فقط سيرتعد اعداءنا خوفا" منا

                                                                                                                                الرئيس ريتشارد نيكسون

     يومها هدد الرئيس نيكسون بالتحامق لكنه إحتفظ بالمسافة ما بين التهديد بالحمق وبين ممارسته الفعلية. وهي المسافة التي إجتازتها إدارة بوش تحت عنوان ما سمي بالحرب الإستباقية. وبلغ التمسك بهذه الممارسة لدرجة إعلان الإستباق كمبدأ لبوش. فهل من معطيات موضوعية تثبت تشخيص الحماقة على هذه الحرب وعلى مبدأ بوش؟!. 

حماقة الحرب الإستباقية

     لم يكن بوش ليحظى بمبدأ يناسب قدراته السياسية والذكائية أفضل من مبدأ "الحرب الإستباقية". التي تحولت بفضل سحرة البنتاغون ، وعلى رأسهم بول وولفويتز، الى طلسم يدعى ب "مبدأ بوش". ومن المعروف والمنشور صحفياً أن الرئيس بوش يحتاج الى من يبسط له الأمور المعقدة ( نيوزويك). ولقد إختار له والده المساعدين على هذا الأساس وليس على أساس قدراتهم الفعلية. فالإبن يحتاج الى من يلقنه المعادلات المعقدة لحكم الولايات المتحدة.    لذلك كانت وصفة الحرب الإستباقية وصفة سحرية بالنسبة لبوش. فهي أفهمته الصراعات التي قامت عليها سياسات القرن الماضي. وأوحت له بأن القوة هي الطريق لتغيير التاريخ والدخول فيه. شرط أن تستخدم هذه القوة قبل فوات الأوان. فالعالم يتسلح بسرعة والدول تتسابق لشراء الأسلحة والأدمغة السوفياتية السابقة. لذا يجب إستخدام القوة الأميركية قبل أن يصبح إحتواء النفوذ مستحيلاً. وبالإستناد الى سوابق هتلر وستالين والقياصرة الروس يمكن لأميركا بوش أن تمارس حروبها على أشخاص مثل بن لادن وصدام حسين وهيغو شافيز وغيرهم. وهذا يوفر عليها عناء البحث عن عدو لا تجده. كما أنه يجنبها الصدام مع الدول القوية. إذ يكفي التركيز على الدول النفطية وجوارها للسيطرة على النفط وعبره على الأقوياء بمن فيهم المرشحون لعداء أميركا مستقبلاً.

      هكذا فهم بوش الحرب الإستباقية وإعتمدها مبدأً له. ظاناً أنه يضع بذلك استراتيجية طويلة الأمد لبلاده. أو هكذا أقنعه وولفويتز على الأقل!؟. وصحيح أن كثيرين من كبار الاستراتيجيين الأميركيين قد عارضوا هذه الحماقة الإستباقية. لكن هؤلاء لم يملكوا موهبة تبسيط الأمور المعقدة وتقريبها الى فهم الرئيس وقدراته الإستيعابية. وهي قدرات محدودة بشهادة الصحافة الأميركية والنيوزويك خصوصاً. لذلك عاند بوش وسار في طريق لا رجعة منه هو طريق الحرب الإستباقية. وهو لم يتوقف لحظة للسؤال عن إمتناع سلفه كلينتون عن إعتماد هذا المبدأ الذي عرض عليه مع خطط حروب جاهزة منذ العام 1997. وربما أقنعه الصقور بغباء كلينتون وجبنه وأن هذه الحروب تحتاج الى تضحيات رجل مميز مثله. فهي تنقذ أميركا والعالم من لاعدالة ملكية الشعوب المتخلفة للنفط والمواد الأولية. فهذه المواد يجب أن تكون في متناول الشعوب المحتاجة اليها لتحقيق العدالة المطلقة. وهو تحقيق لا يتم إلا على أيدي ماشيح مخلص مثل بوش!؟. وتقمص هذا الأخير الدور لغاية الإنصهار الكلي فيه ولدرجة التعامل بصفاقة غير مسبوقة مع أصدقاء أميركا مع تهديده لمصالحهم ولمستقبل علاقاتهم مع اميركا. وذلك بحيث أصبحت السيطرة على الشرق المسلم النفطي هدفاً إنتقائياً للحروب الإستباقية لإدارة بوش.

       نحن لا نشكك بأن هذه الرؤية هي واحدة من جملة رؤى مطروحة في أوساط القرار الأميركي. كما لا نشك بقدررة أميركا على إحتلال أفغانستان والعراق ومعهما الشرق المسلم. لكن الإشارة واجبة الى كون هذه الحروب سهلة البداية لكنها صعبة الإنتهاء. كما نشير الى دفاعات اميركا الاستراتيجية الصارمة. التي لا تسمح عادة للرئيس وفريقه بتجاوز خطوطها الحمر الموضوعة. بما يستتبع السؤال عن كيفية نجاح الإدارة في إختراق هذه الخطوط وتجاوزها لغاية دفع أثمان استراتيجية غير معقولة بالقياس الى حجم الحروب الجارية.

      لقد رفض كلينتون تقديم أي ثمن استراتيجي في الصراعات التي قادها. فهو لم يستخدم أي سلاح استراتيجي في كوسوفو أو في السودان أو أفغانستان أو العراق. إذ اكتفى بصواريخ التوما هوك ولم يتجاوزها. مع أن يوغوسلافيا كانت قوة عسكرية كبيرة بالمقارنة مع افغانستان والعراق. في المقابل استخدم بوش كل الأسلحة المحرمة دولياً والأسلحة الجديدة غير المعروفة في مواجهة جيش عراقي لم يحارب أصلاً. ولعل عدد القتلى المدنيين العراقيين هو أفدح الأثمان الاستراتيجية لتلك الحرب. وذلك بالرغم من تسعيرة القتيل الأفغاني بمئتي دولار في مقابل تسعيرة انسان لوكربي بعشرة ملايين دولار. وكذلك بالرغم من التعتيم الأميركي على العدد الفعلي للضحايا العراقيين.

      بناء على هذه المعطيات نجد أن المراجعة المنهجية للحرب الاستباقية لم تعد بعيدة. خاصة مع تصاعد الورطة الاميركية في المستنقع العراقي. ونحن نعلم أن هنالك من يخالف استنتاجنا هذا بالقول بإمكانية هروب بوش الى الأمام عبر حرب إستباقية جديدة أو حتى عبر عمليات مخابراتية قذرة وسوداء داخل الدول التي تزعجه. الا أننا لانجد المجال يتسع هنا لمناقشة الرفض الأكيد للمواطن الأميركي لخوض أية صراعات جديدة. ولكون هذا الرفض قد يصل الى حدود تفجير مواجهات واضطرابات اميركيية داخلية محرجة وغير مسبوقة. فالأهم في رأينا هو تبيان مستوى حماقة الحرب الإستباقية. وهو مستوى حددته نتائج تلك الحرب بحيث لم نعد بحاجة لتقدييم الأدلة عليه. وهذا ما يدفعنا للتركيز على الثغرات الفكرية المنهجية لهذه الحرب وهي في رأينا التالية (للتعمق انظر كتابنا "الحرب النفسية في العراق" ):

1 -    أنها تستهدف أشخاصاً يلخصون أنظمة الحكم في بلادهم. مما يجبر الولايات المتحدة على البقاء في البلدان ،موضوع الحرب الاستباقية، لغاية تأمين نظام بديل. بما يعادل تأجيل نهاية الحرب والتورط الأميركي في التجاذبات الداخلية لتلك البلدان.

2 -    الجهل الأميركي لثقافة البلدان المتعرضة للإستباق الأميركي. وعنه يتفرع العجز عن التعامل مع شعوبها وتنامي إحتمالات قيام مقاومة مضادة لأميركا.

3 -    تحتاج الحرب الاستباقية الى جهوزية حربية غير متوافرة لدى الولايات المتحدة. فهي تقتضي شن الحروب على مصادر التهديد وفق سلسلة حروب متتالية. واميركا تحتاج الى موافقات معقدة (الكونغرس والأمم المتحدة وحلف الأطلسي) لشن كل من هذه الحروب. وتجاوز الحرب العراقية لهذه الموافقات غير قابل للتكرار. خاصة بعد نتائج تلك الحرب.

4 -    تقتضي هذه الحروب تأمين الأمن والنظام في البلدان المحتلة لغاية ايجاد نظام بديل. وهذا يعني الحاجة الأميركية لأعداد من الجنود يتجاوز طاقتها التجنيدية.

5 -    إن إعتماد مبدأ سلسلة الحروب يعادل تحويل المجتمع الأميركي الى مجتمع عسكري. وهو تحول مرفوض قطعاً لتعارضه مع نمط الحياة الأميركي.

6 -    أن استراتيجية الإستباق قد تنجح في الحروب السهلة لكنها تتحول الى تهديد حقيقي للأمن الأميركي في حالة الحروب الأصعب مثل كوريا الشمالية.

7 -    تقتضي الحرب الاستباقية التخلي عن جملة ثوابت استراتيجية الاميركية. ومنها عدم خوض حربين متزامنتين. وتجنب الحروب المفتوحة المؤجلة النهاية. وأيضاً عدم إستخدام أسلحة استراتيجية.

8 -    إستحالة حماية امدادات النفط وغيرها من المكاسب والمصالح الاميركية في ظل إعلان الاحتلال بعد حرب تعتمد على الصدمة والترويع.

9 -    تعارض تقويم مستوى تهديد الدول والأشخاص المتعرضين للإستباق. وهو تعارض رأيناه داخل الكونغرس ومجلس الأمن وحلف الأطلسي. كما رأيناه في تحركات الرأي العام الأميركي والعالمي.

10 -    أن الحرب الإستباقية تأتي معاكسة للمجرى المنطقي لتطور التعاطف العالمي. حيث المفهوم الانساني للعولمة يسير نحو إنهاء الحروب والصراعات لصالح كرامة الانسان والقضاء على المجاعات والإيدز والأوبئة... الخ.

      الآن وبعد الحرب العراقية يبدو أن مبدأ بوش محكوم بلعنة مباديء الرؤساء الأميركيين. فقد وقع في هذه اللعنة أسلاف بوش من امثال مونرو وولسون وايزنهاور ولن يشذ بوش عن القاعدة. ولعل شخصية الرئيس بوش هي أحد أهم مسببات فشل مبدئه. إذ تتصف شخصيته بالتبعية (Personalite Dependante) وتقبل الإيحاءات والعجز عن تحمل الإحباطات والعزلة الدفاعية عن حقائق العالم الخارجي. وهي صفات تتحول الى كارثية لدى ترافقها مع محدودية القدرات الذهنية ( أنظر التحليل النفسي لجورج ووكر بوش في كتابنا الحرب النفسية في العراق).

وفي عودة الى صفة التبعية فهي المسؤولة عن وقوع بوش تحت سيطرة نائبه تشيني ومعه فريق المحافظين الجدد. ومن هذا الفريق منظر الحرب الإستباقية بول وولفويتز. مما دفع به للتورط في حروب سهلة لكنها غير مرشحة لنهايات قريبة. حيث لا يوجد من يشكك بقدرة اميركا على احتلال افغانستان والعراق لكن هنالك من يتذكر ويذكر بالخروج الأميركي الذليل من كوريا وفيتنام ولبنان والصومال والبقية تأتي.

      لقد رفض كلينتون الحرب الاستباقية لأنه رفض دفع ثمن استراتيجي لحرب إقتصادية. حيث بينت حرب العراق أن الجانب الاقتصادي هو الدافع الوحيد لتلك الحرب (بعد أن سقطت التبريرات الأخرى من أسلحة دمار شامل وتهديد للجيران وغيرها). ورفض كلينتون للاستباق أتى في سياق رفضه التورط في اي ثمن استراتيجي. فهو رفض انزال اي جندي اميركي في كوسوفو قبل نهاية الحرب فيها. كما أسعفه ذكاءه لعدم التورط وحيداً في أي صراع كان. فقد كان كلينتون يوظف اصدقاءه وصداقاته لتعينه في المواجهات. وهو كان يدفع ثمن ذلك محتفظاً باستقلالية قراره (رفض شن حرب على العراق العام 1998 بالرغم من الضغوطات الكبيرة عليه لشنها) وبتقدير ذاته والاحتفاظ بذمام المبادرة والقدرة على المواجهة.

     مشكلة الولايات المتحدة اليوم هي قدرة الصقور على اقناع بوش بان سلوك كلينتون هو دليل ميوعة ونقص القدرة على حسم الأمور. وإقتنع بوش بذلك وسار في الاتجاه المعاكس فأوصل اميركا الى مأزقها الراهن. ويمكن تلخيص المأزق الأميركي في العراق بقياس نتائج الحرب العراقية وفق المعيار البراغماتي بحسب نتائجها. حيث يصر الاعلام الاميركي على سلبية هذه النتائج ومنها:

1 -    بلغت تكاليفها حدود ال 100 مليار دولار ،تضاف اليها ثمانية مليارات شهرياً، في ظل عجز في الميزانية الاميركية يبلغ 455 مليار دولار.

2 -    أن البقاء في العراق يحتاج راهناً الى 30 % من عديد الجيش الاميركي. وهو عدد مرشح للزيادة مع تنامي المقاومة العراقية. بما يهدد الدور الأميركي في البلقان والشرق الأقصى وغيرها من المناطق الاستراتيجية الحيوية للمصالح الاميركية.

3 -    أن الوضع في العراق وفي أفغانستان سيضع اميركا قريباً امام احد ثلاث إحتمالات. فإما الإنسحاب المذل وإما ترك البلدان يبتلعان الجنود الاميركيين وإما اللجوء الى خطوات الإبادة الجماعية.

4 -    ان الحصول على مكاسب النفط العراقي مؤجل لفترة أطول كثيراً من كل التوقعات السابقة للحرب. مع التأكيد على أن العراقيين لن يجدوا وسيلة للثأر ،من أي خطأ اميركي, أفضل من أنابيب النفط وآباره.

5 -    بدأ الاعلان الأميركي عن فشل الحرب الاستباقية والاعتراف بحماقتها. وذلك عبر الطلب الاميركي لمساعدة معارضي الحرب. بدءاً من الأمم المتحدة وحتى فرنسا والمانيا.

6 -    بعد إنقشاع غبار حروب بوش يعاد طرح السؤال: "هل تخلصت اميركا عبر هذه الحروب من التهديدات المستقبلية ؟ ". فها هي كوريا الشمالية تحتفظ بأسلحتها والصين غير مستعجلة والجنرالات الروس لا يزالوا مهددين. وها هي اميركا بوش عاجزة عن تنفيذ مسلسلات التهديد والحروب التي وعدت بها.

7 -    هل يمكن لإدارة بوش اخفاء المجازر الاميركية ضد المدنيين العراقيين الى ما لا نهاية؟. وما هي ردود الفعل المحتملة عربياً وعالمياً على هذه المجازر؟.

8 -    أمام الوضع الراهن لإدارة بوش نجد أن تهمة الميوعة والفوضى الاستراتيجية انقلبت لتنتقل من كلينتون الى بوش. فالسؤال المطروح بإلحاح هو: " الى متى يمكن للولايات المتحدة أن تستمر في اعتمادها لمبدأ بوش؟". خاصة وأن بوش وفريقه تمكنوا من إفقاد اميركا لكل أصدقائها.

    خلاصة القول أن الحظ سيكون حليف الولايات المتحدة لو نجحت في جعل بوش يدفع بنفسه ثمن حماقاته. وسيكون من سوء حظها أن ينجح بوش بالفوز في دورة ثانية. فعندها ستدفع اميركا كلها ثمن هذه الحماقات وأولها حماقة الحرب الاستباقية.

 

أميركا والداخل العراقي

تستوقفك العلاقة الشاذة بين الاحتلال وبين مجلس الحكم العراقي فمعلومات المخابرات الأميركية قدرت حاجة المعارضة العراقية للدعم بمائة ألف دولار فقط وهذا يعني أنها كانت تنظر لها كعصابة صغيرة. لكن هذه التسعيرة كانت أيام كلينتون الذي لم يكن بحاجة إلى تخليق الذرائع للحرب الإستباقية في حين احتاج بوش إلى هذا التخليق فرفع تسعير هذه المعارضة بشكل مذهل وغير منطقي. فكانت خطوته الأولى بالتلاعب بالمعلومات المخابراتية المتاحة له. وبعد أن حقق بوش طموحه باحتلال العراق ومعه تأكد من انعدام فاعلية تلك المعارضة وعجزها الكامل عن الوجود في الشارع العراقي. بل أن هذا الشارع فاقد الثقة تماما بكل فلول المعارضة المتأمركة. وهذا ما يفسر عجز المخابرات الأميركية عن إيجاد قرضاي عراقي واضطرارها لاعتماد مبدأ مجلس الحكم تحت الاحتلال. وعلى الرغم من صعوبة خطوة الاحتلال وأصعب منها الاضطرار لإبقاء  الجنود الأميركيين في العراق فقد بقي مجلس الحكم عاجزاً حتى عن حماية أعضائه  وما حادثة عقيلة الهاشمي إلا الدليل مادي على عجز المجلس وأميركا عن حماية هؤلاء الزعماء الآتين عبر عملية استنساخ أميركية.

اللافت أن أميركا تتحمل أوزار هذا المجلس الذي لم يعد يفيدها وهي عادة لا تبذل جهوداً مجانية في مواضع غير مفيدة فما هو سر هذه المخالفة للقاعدة الأميركية الذهبية اللافت أيضا أن أميركا تعترض دائما على رغبة حكام العالم الثالث في توريث الحكم. لكنها لم تنتبه إلى أن وزراء شبه الحكومة العراقية ليسوا سوى ورثة أعضاء مجلس الحكم. وربما فقدت أميركا حساسيتها تجاه توريث الحكم مع مجيء ووكر بوش الذي لا يملك من صفات السياسي أكثر من كونه ابن الرئيس بوش السابق، عداك عن وصوله إلى الحكم بأساليب أكدت صحافة أميركا كونها أساليب ملتوية.

وبغض النظر عن هذه العلاقة الشاذة ، بين اميركا ومجلس الحكم، فإن المراقب يلاحظ بسهولة الفارق بين ردة فعل العراقيين على اغتيال آية الله الحكيم وردة فعله على اغتيال عقيلة الهاشمي وغيرها. فهذه الملاحظة لا تبين فقط فارق الوجود الشعبي والفعالية الإجرائية بل هي تبين اختلاف الجهات الفاعلة وهذا يعيدنا إلى مناقشة شذوذ هذه العلاقة. حيث يعجز أعضاء المجلس حتى عن حماية أنفسهم بوجود قوات الاحتلال. فماذا يحدث لهؤلاء إذا ما انسحب الأميركيون من العراق؟. وهل يعود هذا الشذوذ  إلى عجز المخابرات الأميركية عن إيجاد أشخاص قادرين على حماية أنفسهم؟. وفي هذه الحالة يصبح السؤال مشروعا عن كيفية وسبل إنفاق المخابرات لكل أموالها في العراق؟.

المشهد يتحول إلى نوع من التراجيديا اليونانية  إذ يحتل بوش العراق دون أن يجرؤ على إعلان تكلفة هذا الاحتلال. والعراق يحكمه مجلس أميركي الهوى والولاء دون أن يتمكن من حماية أعضائه. ويعود الجميع ليطلبوا نجدة الأمم المتحدة ،على أنها الآلهة، التي دنسوها قبل الاحتلال ثم عادوا لها يبتهلون طالبين مساعدتهم لهم ضد اللعنة العراقية. وهم لا يفهمون أن هذه اللعنة هي لعنة أسطورية. إنها لعنة شعب تنتهك كرامته وحياته وأعراضه وأملاكه وثرواته.

 الأميركيون عديمو التراث وغائبون الأساطير عاجزون عن فهم هذه الأسطورة لذلك تراهم يبحثون عن أصول زمنية فيتهمون النظام السائق ، وجيران العراق، بأنهم داعمون لهذه الظاهرة. وهم لا يريدون فهم الطابع غير الزمني لهذه اللعنة العراقية. وهي شبيه بأسطورة الأفعى المتعددة الرؤوس هيدرا التي ينبت لها رأسان مكان الرأس الذي تقطعه لها. فقد تنامت المقاومة بعد مقتل قصي وعدي وإعتقال صدام وهي تأججت  وحققت نقلة نوعية بعد قانون محاسبة سوريا والبقية تأتي.

الكل يعلم أن الحركة في الرمال المتحركة تزيد الغرق فيها، فإذا أرادت أميركا صادقة الخروج من الرمال العراقية عليها أن تفهم أسطورة هيدرا العراقية وأن تنهي علاقتها الشاذة مع مجلس الحكم. وأن تضع الحدود لجهلها المطبق بتاريخ المنطقة وخصوصيتها. وأن تعتذر للشعب العراقي ولجيرانه. وأن تتوقف عن دون كيشوتية تهديداتها وعملياتها السوداء في المنطقة. وأخيرا فإن عليها أن تحترم حقائق ملكية الشعوب لأراضيها وثرواتها وتوزيعها. وهذا التوزيع قد يمكن للولايات المتحدة أن تحصل على دعم مناسب يخرجها من  هذه  اللعنة ويساعدها على تخطي إفلاسها فلعنة الشعوب يمكنها أن تحرم أميركا حتى عارها.

 

الشرق الأوسط بعد الإحتلال

    كان إحتلال العراق زلزالاً إستراتيجياً مدمراً بالنسبة للشرق الأوسط عامة. وهي واقعة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. ومن معطيات الواقع الراهن في هذه المنطقة ذلك الإنتصار العسكري الساحق لأميركا. لكن الأميركيين لم يدركوا بعد أن المقامرة ليست طريقاً مضموناً للثروة!. وأن نهاية أوروبا العظمى بدأت مع انتصارها في الحرب العالمية الثانية.

  بوش وعلى عادته آحادي التفكير ويعيش معزولاً عن حقائق العالم الخارجي. وهو يرى العالم عبر النظارات التي يلبسه إياها رامسفيلد وفريقه. وعلى هذا الأساس تعجل بوش في طرح مشروعه للشرق الأوسط العظيم !؟.

الشرق الأوسط العظيم

         يتضمن مشروع اميركا للشرق الاوسط العظيم مجموعة ضخمة من الإلحاقات الجغرافية التي توسع حدوده وتبرر تسميته بالكبير. فالشرق الاوسط الاميركي يتاخم كل الأعداء المحتملين للولايات المتحدة. فهو يتاخم اوروبا من جهته الغربية والصين من الشرقية وروسيا من الجهة الشمالية. وهذه الحدود مترامية الأطراف ترشح المنطقة للعب دور إستراتيجي هام في إحتواء هذه الجهات الثلاث. عداك عن الإحتواء الأميركي المباشر للمنطقة نفسها بسبب إستحالة الحفاظ على إستقرارها بدون مساعدة أميركية تلغي كل المنظمات الأقليمية فيها أو تصيبها بشلل كامل.

أما عن توقيت طرح المشروع فهو يتعلق بإستعجال الإستراتيجيين الأميركيين لتثبيت الواقع العالمي الجديد بعيداً عن عثرات إستثمار الحرب العراقية. فقد أعلن بوش في خطابه البريطاني منع قيام قوة التدخل الأوروبي السريع وضمناً منع تفرد اوروبا بشمال أفريقيا. حيث ضم المغرب العربي للشرق الأوسط إعلان ناجز عن عدم الإعتراف الأميركي بوجود مصالح أوروبية فيه. وهو ما أعلنه بوش سابقاً بصورة إلتفافية عبر تدخله في ساحل العاج وغيرها من دول شمال أفريقيا. أما ضم الدول السوفياتية المسلمة الى الشرق الأوسط فهو إيذان بنهاية الطموحات الروسية بإنشاء فيديرالية تستعيد هذه الدول الى الحظيرة الروسية. وهي طموحات تستند الى سوابق تاريخية. إلا أن إكتشاف النفط في تلك المنطقة أعطاها ، ومعها الحزام الأوراسي، أهمية إستراتيجية إضافية غير مسبوقة بالنسبة للولايات المتحدة.

      هذا الإستعجال الأميركي كان مفهوماً ومتوقعاً من قبل الأوروبيين لذلك كان طرح يوشكا فيشر وزير الخارجية الألمانية لمبادرة جديدة أمام مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية حول الإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط‏,‏ التي تطورت إلي مشروع فرنسي ـ ألماني مشترك قدم إلى مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم اعلان رامسفيلد والسيناتور ريتشارد لوجار رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي‏ لمبادرة أميركية في مؤتمر ميونيخ. فهل هو حدس ام مصادفة ام معلومات!؟. أم هو استباق ألماني ـ أوروبي للمبادرة الأمريكية من أجل ترشيدها وقطع الطريق أمام نزعة الانفراد الأمريكية بتقرير مستقبل الشرق الأوسط‏,‏ بدليل الاختلاف الجوهري بين مبادرة فيشر ومبادرة رامسفيلد. على الرغم من استناد المبادرتين معا إلى تقارير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية في العالم العربي‏ وهي تقارير مفبركة و لا تفي بحاجة الإعتراف لدى شعوب المنطقة.

ويتطرق فيشر الى الإختلاف بين المبادرتين فيقول: " ... إن الديمقراطية هي جزء من الحداثة دون أدنى شك‏,‏ وعندما ننظر إلى الاقتصاد العالمي نجد أن الدول التي نجحت في تحديث اقتصادياتها القومية‏,‏ هي نفسها الدول التي تتقدم إلى الأمام‏,‏ وهناك تقرير رائع للأمم المتحدة (يقصد تقرير التنمية) يحلل الوضع القائم في العالم العربي‏,‏ ويرصد أوجه النقص وإمكانات معالجتها‏,‏ وإذا انطلقنا من هذا التقرير فسنعرف ما يجب علينا عمله‏,‏ لكن يجب أن يعمل الغرب بشكل مشترك‏,‏ وقد اتفق الأوروبيون على العمل المشترك في الشرق الأوسط بالفعل‏,‏ ويبقى تطوير استراتيجية مشتركة مع الأمريكيين‏,‏ ثم نتوجه إلى العمل المشترك مع المنطقة نفسها؟ ". ويتابع فيشر فيقول: " ... إن المرء لا يستطيع فرض الديمقراطية‏,‏ من الخارج‏,‏ لكن يجب تطويرها بتأن وصبر من خلال تعزيز القوى الديمقراطية‏.‏ وهذه عملية طويلة ويجب أن تأتي من الداخل‏,. عبر مناقشات وجدل قاس‏.‏ وإنني مقتنع بأن قضية التحديث ستكون ذات أهمية حاسمة خلال هذا القرن‏,‏ ومن ثم ستكون الديمقراطية جزءا لا يتجزأ منها‏,‏ كما أني لا أعتقد أن مكافحة الإرهاب ستكون ناجحة حقاً إذا ما تم حصرها في الخيارات العسكرية‏,‏ بل يجب أن تتوافر آفاق للتطور والنمو أي التحديث‏.‏

    هذا هو إذن الخط الرئيسي للاختلاف بين الرؤيتين‏:‏ أوروبا ترى المعادلة مكونة من ثلاثة حدود‏,‏ هي‏:‏ التحديث فالديمقراطية فالأمن‏,‏ في حين تراها الولايات المتحدة مكونة من حدين اثنين هما‏:‏ الديمقراطية ومكافحة الإرهاب الإسلامي الدولي‏.

    لكن الاختلاف يتخطى الخلاف حول آليات التنفيذ الى خلاف في الرؤية الإستراتيجية. فالأميركيون يريدون ضم شمال أفريقيا لإحتواء أوروبا عموماً ولقمع مطالبة الإتحاد الأوروبي المزمنة بإنشاء القوة الأوروبية للتدخل السريع. التي ينظر اليها من قبل ادارة بوش على أنها حركة تمرد على اميركا عبر الحلف الأطلسي. وكان بوش قد أعلن رفضه لهذه القوة مراراً وآخرها في خطابه البريطاني. لذلك من الطبيعي أن تعارضه أوروبا وتطرح البدائل له. وهذه الخلفية الإستراتيجية لإختلاف الرؤى ،بين اوروبا واميركا، تبين وجود تنافس على إقتسام النفوذ وليس مجرد اختلاف تكتيكي في آليات التطبيق. وهž